حيدر حب الله

70

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

المناخي أقوى ، مثل الفلسفة والكلام ، الفلسفة والاجتهاد الشرعي ، اللغة والفقه ، التاريخ وأصول الفقه ، التاريخ والحديث ، الكلام وعلم الملل والنحل وهكذا . فإذا أخذنا شخصاً يعيش ذهنية الفلسفة الصدرائيّة أو المشائيّة أو العرفان أو التصوّف فمن الطبيعي - عندما يلج نطاق التعامل مع النصوص - أن يترك هذا الأمر تأثيراته على مجمل قراءاته للنصّ الديني . ولا أعني بذلك الشموليّة ، بمعنى ليس من الضروري في كلّ مسألة يعالجها في فهم النصّ الدينية أن تترك السياقات والمناخات تأثيراتها فيها ، بل القضيّة تتبع درجة بُعد وقرب الموضوع الذي يعالَج من ذاك المناخ الذي تأثر به قبل دخوله مجال تحليل النصوص ، ففرقٌ بين الفيلسوف الذي يريد أن يفسّر حديثاً يقول مثلًا : صلّ الظهر عند الزوال ، وذاك الفيلسوف الذي يريد أن يفسّر حديثاً يقول : إنّ الأطفال يوم القيامة يكلّفون برمي أنفسهم في النار فإذا فعلوا دخلوا الجنّة والا عصوا الله وعاقبهم . إنّ الحديث الثاني موضوعه ومادّته أقرب إلى مجال اشتغال الفيلسوف ، لهذا يترقّب أكثر أن تترك رؤيته الفلسفيّة ومناخه العقلي تأثيراً على طبيعة فهمه لهذه القضيّة ، بخلاف المثال الأوّل . والعكس أيضاً صحيح ، فلو دخل فقيه بذهنية الفقه والقانون مجال البحث الفلسفي ، فمن الطبيعي أن تترك الذهنيّة الفقهية القائمة على اللغة والتاريخ وفهم النصّ وطبيعة القانون والاجتماع وغير ذلك تأثيراً عليه في كيفية تلقّيه المسائل الفلسفيّة ، فقد يتعاطى بعرفيّة مع موضوع دقيق ، وهذا ما لمسناه في أكثر من موضع . طبعاً ، هنا يمكن لبعض الباحثين والعلماء أن يقلّل بدرجة عالية من تأثيرات المناخ الفكري ، عندما يعزل ذاته بشكل كبير عنه ، وهذا أمر نسبي يختلف بين الناس ومستويات عزلهم لشخصيّاتهم العلميّة بين العلوم المختلفة .